كلمة من القلب

عِندما نَكتبُ كَلماتنا على المساحات البيضاء..نكتبُ جزءًا من أَرواحنا على الزُرقةِ الإلهية

قُلْ للغِيابْ

https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEictbpk3wYXn_4Lt8ho7nDSYEdm7_i7-oC4kyo2TB-K10whIdasYp8nBSnTh8ONzCkVQ6IYY4d_uzXcNODocD4D8XqV4GkOf2zT52VpObEX_XSC1PktOhg61cREL5GjQBhV0q9bwrksYYY/s400/333.jpg

أَتَأخُذنِي مَعَك ؟


فَأَكُونَ خَاتَم قَلِبكَ الحَافِي ، أَتَأخُذني مَعَك

فَأَكُونَ ثَوبكَ فِي بِلادٍ أَنجَبَتكَ ... لِتَصرَعك

وأَكُونَ تَابوتًا مِن النِعَناعِ يَحملُ مَصرعك

وَتَكُون لِي حَيًا وَميتًا

محمود درويش
Showing posts with label نجوم الطفولة. Show all posts
Showing posts with label نجوم الطفولة. Show all posts


تطوّف أمي حول صوتي
تقبض على آخر الكلام الطالع
من حنجرتها المزروعة في رقبتي
تتذوق طعم دمعي
تتأمل لون عيني
يقودها حدسها
فتعرف أين جسدي وأين تنهدي
أمي تصيّغ كلامها ليبدو غارقًا في الغضب
لكنها تفشل في إخفاء تناثر الحب في نبرتها الحزينة!

أشيائي الصغيرة
هُناك في خزانة المطبخ
في درج الكراكيب
وعلبة الخيطان
على الرف الزجاجي المكسور
وحوض النعنع
بين أكوام الجرائد
على الملاحف المطرزة
والشراشف الندية
على أطراف الوسادات المنتشية بروائحنا الأليفة
بين ملابس أمي
وأوراق أبي الصفراء
في مذكرات أختي
ومراهقة أخي
أشيائي الصغيرة
في خلافاتنا وضحكاتنا
ورائحة الطعام الشهية
أشيائي الصغيرة
لا تكبر...
وتبقى في البيت... مثلي
أشياء صغيرة


لا تغيبيين ولا أنسى
ولا أفقدُ حبل الروح بيننا
أمي أخذتِ عني ثقل القلب
وأخذتُ عنكِ كل شيء


كيف يحزن النّاس على أحبائهم
أيصمتون؟
أيتكلمون بصوتٍ منخفض وبعيد
أم يبكون بصمتٍ
ويذهبون إلى رائحة الذكريات
أيبحثون عن صورٍ تجمعهم بهم؟
أم يرتدون أصواتهم وضحكتهم الأخيرة ؟
كيف يحزنُ النّاس؟
إذا كانت الغربة حزنٌ قديم يتغلغل في عمري
بعيدًا عنكم!


حين أصبحتِ أمي، منحتكِ الجنة
ابنتي أيضًا منحتني الجنة
لكنني لن أحتفظَ بجنتي
سأمنحكِ أياها
ثمنًا بخسًا لعمرك الذي وهبته لعمري
يا أمي أنتِ الجنة فوق رأسي


أمي كائنةٌ من نور وندى:
أمّا النور فالعمرِ واضح وجميل
وأمّا الندى دمعٌ يجاري الغيوم في هطولها!


عاجزة عن منحكِ أي شيء
عاجزة عن منحكِ عمري
مفاصل قدمي
يديّ
وضغط دمي الطبيعيّ
عاجزة عن منحكِ تدفقَ دمي
عيني
أوردتي وشرايني
عاجزة عن منحك الأيام التي مضت
والأيام التي تأتي
عاجزة عن منحكِ راحة الخاطر
وبعض الطمأنينة
عاجزة عن منحكِ أي شيء
وأعلمُ أنكَ منحتني كل شيء
يا أمي التي مازلتِ كل شيء


تلكَ الكائنةُ التي أدّعوها "أمي" ليست أمي
إنها الرب الذي يزيد هَشاشتي قوة
يا أمي
العالمُ بقعةُ ضوء
أنتِ لست العالم
ولا الضوء
لكنكِ الكون يتنفسُ في روحي

أنا لستُ أدري
كيف ورثتُ زمرة دمكِ
وعينيكِ
وتفاصيل قدميكِ
شكل أصابعكِ
طريقةَ تنفسكِ البطئ
حشرجة صوتكِ في البكاء
تنهد الندى على صفحة خدكِ
عذوبة اللحن في ضحكتكِ
يا أمي كيف حدثَ أن تقمصتكِ
وعشنّا في جسدين منفصلين

اعتقدتُ أنني لا أحبهُ
ذلكَ الرجلُ الذي ورثتُ عنه عينيه
وبعضًا من عنادة رأسه
كأن برزخًا كان يفصل بيننا
أحاديثنا القليلة
الكلام العاطفي الذي لم أقله يومًا له
محاولتي الدائمة للانفصال عنه
بكل ما أوتيتُ من قوة
أشياءُ كثيرة بقيت مُعلقةً كعلقةٍ على جلدي
أنَّا لم أكن أريد أن أحبه
كنتُ ساخطة عليه فقط
ولا أريد أن أشعر بأي حنينٍ إليه
لكن اكتشفتُ أنني ورثتُ عنه ما يتجاوز الجينات الوراثية
هشاشة قلبه
وبعضًا من أمراضيه
والدي العزيز لا تبكي وأنت تحدقُ إليّ ولا تعرفنِي
صوتِي يُهديكَ إليّ

كلما جمعتُ صوتي لأقول أحبكِ
فقدتُ أحبالي الصوتية
وتصاعدتّ نبرتي إلى غيومِ آيار


هواءُ البيتِ ناقصٌ هذا الصباح
ألا فتحتي النوافذ ليعبر عطركِ إلى المكان
أمي هل تذكرين شيخ الجامع الأموي
عندما حدثني ذات مرةً عن الله
كنتُ على يقين أن الربّ يُحبني فقط لأنك أمي
الآن أجزم أنه صار إلهاً لأنك أمي


أمي:عندما تعبرُ ملائكتكِ بجانب حزني
يشهقُ قلبي بالفرح
ألا طلبتِ من الربّ أن يبدل الجنة فتكونُ على هيئة ملامحكِ

أمي لا تُصدقيني حين أقول كبرت
وأنني لم أعدّ احتاجُ قلبكِ لأنبض
لا تكترثي حين أهددُّ بالرحيل
واغضبي لِمواعيدّي مع الرجال
ولا تفكري مرتين عند سؤالي حول أسباب صمتي 

حيناً
وأسباب الحنين
واغفري خرمشة ياسميني
أمي أرجوكِ لا تكفي عن كونكِ أمي

مَن ذّا يَعرفُ اسمي
من ذّا يُحبني كُلما تَمادّيتُ فِي الصَخب
والقيتُ شُروري على الحمائم والسنونو
والياسمينة الجميلة
مَن ذّا يفرحُ إذا تأخرتُ فِي النوم لِتنجو قطةُ البيت من أذيّ 
من ذّا يبكي فِي رَحِيلي
ويسألني عن مَوعدِّ عَودّتي
ويُصاب بالخوف إذا غاب صوتي
من ذّا يهدّجُ بِالدعاء لأجلي
ويحفظُ دفاتري
ويخبئُ سكاكرَ طفولتي
من ذا يُجيبُ سؤالي
أازهرت اسرارنا الصغيرة يا جدتي؟
غيابكِ غابةٌ متوحشة تقضمُ قلبي كتفاحةٍ
الرجلُ الذي أُحبُهُ متزوجٌ من إمرأة جميلةٍ ولديه ولدٌ وثلاثُ بنات..إحداهنّ أنا

أيام الغياب

الغيابُ الأول:

في غيابكِ يتخِذُ الوقتُ شكل الخيبة، 
وجودكِ ياسمينُ النجاةِ من الملح والرمل والعواصف اليومية.
يا إلهي ألا ترفقت بي، وجعلت أيام غيابها تعبرُ خارج قلبي

الغياب الثاني:

يومٌ للعزفِ المُنفردِ على إيقاع غيابكِ، للصمت التام، يومٌ نجمعُ فيه أشياءنا ونزيحُ عنها الغبار، أين صوتك يوقظني صباحًا، أين طلباتكِ التي تُحيطني بالضجرِ أحيانًا، أين تذمري من استعجالكِ الأشياء
أين نظرتك تحنو كثيرًا وتغضبُ قليلًا
وتعانقني دائمًا
كل شيء ناقصٌ يا أمي
كل شيء كالسراب في غيابكِ
أين دعواتكِ وصلواتكِ تغمرني بالأمان
أين ملائكتكِ لتحرس الحياة من الحزن والكآبة
أين أنتِ أماه؟

الغياب الثالث:

أتُصلّين لأجلي؟ 
في دمشق السماء قريبةٌ والدعاء يصل قبل أوانه، 
لا تنسي أن تحفري اسمي على الجدران القديمة، 
لا تنسي أن تلتقطي أجنحة الحمام وهي تعبرُ في بيتنا القديم..
لا تنسيّ أن تُقبلي يدَّ جدتي وقولي لها: قريبًا تعود، لابد تعود
سلمي على الله وعانقيه وقولي له أن يحرس خطواتي على قارعة الطرق المؤدية إليكِ..
 

الغياب الرابع:

أماهُ، إنهم لا يكفون عني، يحفرون خنادقهم في قلبي، غطيني من بردِ الليل الطويل، عانقيني واغمري خوفي
خذيني معكِ إلى الغابات العابقة برائحتكِ 
أزرعي ياسمين قلبكِ في قلبي
امنحيني الوقت للازم لأثمل بحبِكِ
اشتاقكِ
وأطفح بالشوق إليكِ
 

الغياب الخامس:

في البيت أجلسُ وحيدةً
اسمعُ همسًا مريبًا، كأنه صوتُكِ يُناديني
انصتُ قليلًا لعلهُ يكون
وأنك ها هُنا الآن
تحبثين عني كما أبحثُ عنكِ
ولكنّ لا يعودُ الصوت
هدوءٌ...هدوء
إنه صوتُ غيابك
المُفزع

الغيابُ السادس:

يومٌ أفقدُ فيه قلبي، وأنا أحاول فتح باب الشمس،
يومٌ اُلقي فيه همومي على الجبل فينحازُ للبكاء
يومٌ أراني فيه غائبةً ويظنُ الجميع أنني هنا
ولا يعرفون بأنني معكِ
يومٌ أحاول أن أوضح فيه بأنني لستُ منحازة للحياة إلا لأنك أمي

الغيابُ السابع:

إنها مدينتُكِ دون مُنازع..
قلبُكِ ونبضُ أنفاسكِ
دمشق الجميلة كم أنتِ ابنتها وكم أنا ابنتكِ..
كلّتينا ننحازُ لياسمينها ورائحتها وأزقتيها
كلّتينا نعاني مرضًا مزمنًا في عشقها..
كلّتينا ننتظرُ أن تبوح باسرارها على مشارفِ أرواحنا
وكلّتينا نذهب للصلاة هناك..
لأننا نعلم أنّ الله أقرب

الغيابُ الثامن:

إنني ابنتُكِ واستَميحُك عذرًا أن تُشارك دمشقَ في أمُومَتِكِ